الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
78
مرآة الحقائق
ألا ترى إلى قوله : « من مات ؛ فقد قامت قيامته » « 1 » . ولا شك أن قيام الساعة إنما هو لإقامة العدل ، وهو يقتضي القصاص ، والمقابلة ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، فهو ما ينقبض عنه النفس ، ويتنفّر الطبع ، ويعظّم عند القلب . وقد روي : إن الأنبياء عليهم السّلام يجثون على ركبهم في المحشر عند ظهور تجلّي القهر والغضب ، فقد حصل من إشارة ما قررنا أنه إذا وجب القيام للميت بالموت الصوري ؛ كان ذلك أوجب لأهل الفناء المعنوي ، فإنهم أهل الجلال ، والهيبة الظاهرة والباطنة بخلاف غيرهم ممن بقي مع نفوسهم إلا أن يقال : إن المكاشف إذا اطّلع على الجلال الظاهر في النفوس الجلالية المحجوبة ؛ كان من شأنه أن يقوم له ، وينحني ، فإنه إنما يقوم وينحني في الحقيقة للجلال الباطن في نفسه ، كما صدر من بعض أهل الفناء ؛ لكن المحققين على المنع من الانحناء ؛ لأنه انحناء لنفسه ، فلا يقوم به الكمّل ، ويجرّون في ذلك مع أهل الشرائع ، والأحكام ، وفيه السلامة والسّلام . قال اللّه سبحانه وتعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ آل عمران : 106 ، 107 ] . اعلم أن الإيمان ؛ إمّا إيمان بالقوة ، وإمّا إيمان بالفعل ، وكذا الكفر « 2 » .
--> ( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 6 / 268 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 5 / 3 ) . ( 2 ) فائدة : قال السمرقندي في الصحائف : الإيمان في اللغة : التصديق ، وفي الشرع مختلف فيه . فقال المحققون : هو تصديق الرسول بكل ما علم بالضرورة مجيئه به ، وإنما قيد بالضرورة لأن منكر الإجتهاديات لا يكفر إجماعا ، ويقرب منه ما نقل عن الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمة اللّه : أن الإيمان هو : المعرفة والإقرار . وقالت المعتزلة : الإيمان هو : الطاعات . ونقل عن السلف : أنه التصديق بالجنان ، والإقرار باللسان والعمل والأركان ، فمن أضل بالتصديق وإن شهد وعمل فهو منافق ومن أضل بالشهادة فهو كافر ، ومن أخل بالعمل فهو فاسق وهذا قريب -